غلاف بصري بألوان أزرق وأخضر يُظهر ظلال جمهور ولاعبي كرة قدم باللون الأصفر
النصوص N/R ٠٠٦

ليس عن كرة القدم / العدد الأول

تمثال كريستيانو رونالدو في المكان الخاطئ

٢٥ أغسطس ٢٠٢٦

في ديسمبر ٢٠٢١، على ساحل غوا الهندية، تجمّع صاخب لمواطنين محليين - بعضهم سعيد وبعضهم غاضب - حول تمثال ضخم، معدني ولامع، ذراعاه مفتوحتان وهو في لحظة استعداد لتسديد الكرة. كانت هذه هي اللحظة «السعيدة» للكشف عن تمثال كريستيانو رونالدو، التمثال الوحيد الدائم الموجود لكريستيانو خارج جزيرته ماديرا. يبدو المشهد متناقضًا بدرجة ما، إذ في أيام الاحتفالات بتحرير الولاية من الاستعمار يُحتفى بتمثال لرمز رياضي أجنبي - برتغالي - لا رمز وطني، وهذا ما قسم المجتمع بين مؤيدين سعداء، ومعترضين رفعوا أعلامًا سوداء لإعلان احتجاجهم في لحظة الكشف.

من المشاهدة الأولى قد يبدو أن هذا التمثال تكريم لنجم رياضي «عالمي» يحبه الجميع، واحتفاء - مفهوم - بكرة القدم والنجوم الرياضيين والإنجازات البشرية الخارقة، إلا أن لهذا التمثال قصة طويلة - سيئة - تشير إلى المكان والتاريخ أكثر مما تشير إلى كريستيانو وكرة القدم.

تمثال معدني لكريستيانو رونالدو في حديقة بغوا، يمر طفلان بدراجتيهما أمامه وبينهما أشجار نخيل
تمثال كريستيانو رونالدو في غوا، الهند. تصوير: Anurag Narula

غوا قبل أكثر من ٤٠٠ سنة من لحظة الكشف عن التمثال

لم يكن في غوا برتغالي واحد - لا بشر حقيقيون ولا تماثيل معدنية. كانت أرضًا هندية بمسلميها وهندوسها، بمساجدها ومعابدها ولغاتها المتداخلة، بأسمائها العربية والهندية. وكان ميناؤها يخرج منه الحجّاج المسلمون إلى مكة، وتدخل منه تجارة الخيول العربية والفارسية. وهي خليط كوزموبوليتاني: هنود، وعرب، وفرس، وأتراك، وأحباش، وجالية يهودية، بتعدد عرقي وهُويّاتي متجانس وغير متجانس أحيانًا بسبب الصراعات الدينية والطبقية.

الحملة البرتغالية على المحيط الهندي وبحر العرب

إلى أن وصل البرتغاليون - وهؤلاء بشر وليسوا تماثيل معدنية - بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك. جاؤوا للهيمنة على الممرات البحرية التجارية في المحيط الهندي وبحر العرب، بحثًا عن الذهب والعبيد وتجارة التوابل، وسعيًا لتأسيس شبكة قواعد عسكرية وتجارية للسيطرة والتحكم بالتجارة العربية: هرمز في الخليج، وعدن عند مدخل البحر الأحمر، ومضيق ملقا ناحية شبه جزيرة الملايو، مع اعتماد غوا الهندية مركزًا إقليميًا لإدارة هذه الشبكة.

فكرة بسيطة و«ريادية»: لم يجد البرتغاليون في أنفسهم ومنتجاتهم القدرة على المنافسة التجارية الحرة والعادلة، فقرروا أن يدخلوا السوق وينافسوا بالقوة العسكرية والمدافع وقطع الرؤوس وإغراق السفن الأخرى.

سقوط غوا وبداية الاستعمار البرتغالي: ١٥١٠م

في نوفمبر من عام ١٥١٠م سقطت غوا الهندية في يد البرتغاليين بعد أن تحالفوا مع بعض المحليين الهندوس، وبدأت أعمال الإبادة لمسلمي غوا: مقاتلين ومدنيين، رجالًا ونساءً، أطفالًا وكبارًا. وأباح السيد ألبوكيرك «رائد الأعمال التجارية/العسكرية» لرجاله بيوت القتلى وأموالهم وكل ممتلكاتهم.

وبعد أن أبادوا مسلمي غوا، بدأ مشروع طويل وممتد لإعادة صياغة وتشكيل الهنود الهندوس الذين نجوا بأجسادهم، ليواجهوا طمسًا لهويتهم. هذا المشروع الإبادي بُني بتحالف بين مؤسسات الدولة البرتغالية والكنيسة.

محو الدين واللغة والأسماء

هدم المستعمر الجديد مئات المعابد الهندوسية، وأُقيمت الكنائس على أساساتها وبحجارتها. حُجبت فرص العمل الرسمي عن الذين تمسكوا بديانتهم من أهل غوا، وفُرضت عليهم ضرائب، أُعفي منها المعتنقون للكاثوليكية، لتكون هذه السياسات الاقتصادية دفعًا لهم باتجاه الديانة الجديدة.

بعد هذا التحول الديني من الهندوسية إلى المسيحية، أنشأت السلطات الاستعمارية البرتغالية والكنيسة محاكم تفتيش حتى يتأكدوا من محو أي بقايا من الهويات القديمة. ثم مُنعت اللغة المحلية - الكونكانية - في المعاملات والتعليم، وأُلزم الأهالي بالبرتغالية. وخُتمت كل هذه التحولات بالأسماء، إذ حرّم مجمع غوا الكنسي على المتنصرين أسماءهم الهندوسية، حتى صار أهل غوا كاثوليكيين يحملون أسماء أوروبية لم يعرفوها من قبل.

كرة القدم باعتبارها أداة للمستعمر

بعد أن صارت الكنيسة الكاثوليكية مؤسسة هندية يديرها أبناء غوا ويرونها مؤسستهم - لا مؤسسة المستعمِر - دخلت كرة القدم إلى غوا عبر الكنيسة. أدخلها قس في سنة ١٨٨٣م إلى ممارسات الكنيسة، يعلّمها لتلاميذه إلى جانب الإنجيل. بخلاف بقية الهند التي عرفت اللعبة عبر المعسكرات البريطانية، نشأت كرة غوا في داخل سياق الكنيسة، ثم خرجت من الفصول الكنسية إلى القرى، ينشرها القساوسة الغويون الذين انتشروا ليعلّموا الدين، حتى صارت لعبتهم الشعبية. ولأنها نشأت ملتصقة بالدين والهوية الجديدة، رأت فيها السلطة الاستعمارية البرتغالية شيئًا أكثر من كونها لعبة. ففي سنة ١٩٥١م أنشأت الإدارة الاستعمارية أول دوري كرة قدم لعموم غوا، في محاولة منها لإثبات وتأكيد الهوية البرتغالية لغوا.

لكن لماذا تحتاج السلطة الاستعمارية إلى أن تكرّس برتغالية غوا؟

كان السياق في الهند والعالم يتغيّر، بعد أن رحل الإنجليز سنة ١٩٤٧م وقامت الهند المستقلة، وبدأت تكافح ما تبقى من الجيوب الاستعمارية على أرضها. خرج الفرنسيون بالتفاوض في ١٩٥٤م، أما البرتغال فرفضت أن تتفاوض من الأساس، وأعادت تعريف المسألة كلها بتلاعب لغوي، إذ عدّلت دستورها فمحت كلمة «مستعمرة» من القاموس الرسمي، وصارت المستعمرات «مقاطعات ما وراء البحار». وغيروا اسم وزارة المستعمرات - كان اسمها هكذا فعلًا - لتصير «وزارة ما وراء البحار»؛ لتبقى غوا آخر مستعمرة أوروبية في الهند. في هذا السياق، والعالم كله يدين الاستعمار وحركات التحرر تنتشر في مختلف أنحاء العالم، كان المستعمر يبحث في كل أدواته عما يساعده في المحافظة على الوضع القائم. لذلك أرسلت البرتغال أشهر أنديتها - بنفيكا - في أول جولة لنادٍ برتغالي في غوا، جولة بغطاء رياضي لكنها جزء من محاولات المستعمر السياسية لتثبيت الهوية البرتغالية على الإقليم.

فشل محاولات المستعمر

لكن الأمور كانت تنهار وتُفلت من يد المستعمر، فبعد هذه الجولة بأشهر دخل الجيش الهندي وطرد البرتغاليين - لم يُبِدْهم - بعد أكثر من ٤٠٠ سنة من الاستعمار. بيد أن البرتغال ظلت تعتبر التحرر الهندي احتلالًا غير شرعي لمقاطعتها - التي تبعد عنها أكثر من ١١٠٠٠ كيلومتر عبر البحر - ولم تعترف بسيادة الهند على غوا حتى عام ١٩٧٤. تحررت أرض غوا، لكن هويتها لم تتحرر. بعد أن طردت الهند كل من استعمرها، بقيت غوا وحدها بين المقاطعات الهندية يحمل أهلها أسماء برتغالية: فرنانديز، وبيريرا، ودي سوزا، ويدينون بالمسيحية، وحين يفكرون في نصب تمثال لبطل رياضي ليُلهم الأولاد، سيفكرون في لاعب برتغالي، يقسم تمثاله المجتمع بين مؤيدين ومعترضين.

ما دامت الهُوية في غوا برتغالية، لماذا رأينا من يعترض بالأعلام السوداء على تمثال رونالدو؟

حينما حوّل المستعمر البرتغالي تصنيف غوا من مستعمرة إلى مقاطعة - هروبًا من مواثيق الأمم المتحدة - صار أهل غوا مواطنين برتغاليين بحسب القانون. وإلى اليوم، يمنح القانون البرتغالي كل من ولد في غوا قبل التاسع عشر من ديسمبر ١٩٦١ - يوم التحرير بالنسبة للهند - الجنسية البرتغالية، وهو ما سهّل لأهل غوا من الكاثوليك الهجرة بكثافة إلى أوروبا بجوازاتهم البرتغالية. ونتيجة لذلك أصبح الهنود الكاثوليك أقلية في الإقليم، ومع انتقال الهنود من مقاطعات مختلفة إلى غوا، صارت هوية غوا الجمعية متنازعة بين من يرون التاريخ البرتغالي تاريخ استعمار وإبادة، ومن يجد أن هذا كله - بثقله وتقاطعاته - هو ما صنع هويتهم الخاصة التي تختلف عن باقي مقاطعات الهند.

التمثال مرة أخرى

حينما نُصب تمثال كريستيانو رونالدو سنة ٢٠٢١ في غوا، لم يكن مجرد تمثال لاعب «عالمي محبوب» بقدر ما كان الشاهد الأخير على تاريخ طويل من الإبادة المادية والحضارية، شاهدًا يذكّرنا حضوره بكل ذلك المحو الذي كان سياسة ممنهجة، تمثالًا وشاهدًا على أن المستعمر حينما يُطرد بقوة الكفاح المسلح، يترك شيئًا في المكان - للأسف - لا يمكن طرده.