دائمًا ما اعتبرت المشهدية في شعر البدر بمثابة الجمرة الأولى من نار الشتاء؛ تلك التي لم تتلبسها البرودة مثلما تلبست كل شيء، بينما كل ما حولها يتجمّد ببطء. وكل ذاكرتي عن هذه الجمرة أنني، في أحد أعوام الجهل الغضّ، رأيتها تقترب متوهجة، وشعرت نحوها بشيءٍ من السحر والابتهاج حتّى لامستني.
ومنذ سنوات وأنا أفكر مليًا: لو كانت “الموعد الثاني” الأغنية الأكثر إيلامًا وحسرة من بين أغنيات البدر التي غنّاها طلال؟ فلعل ما يجعلها كذلك هو تقاطع تلك المشهدية التي حدثتك عنها مع انسياقك المفاجئ نحو وجهة لم اعهدها قط. وجهة كانت كفيلة بأن تنحى بك عن وجهتنا المشتركة.
البلشة كلها تكمن في كونها تجعل من “الموعد الثاني” خصمًا هادئًا أقف أمامه ويقف أمامي. ذات ثالثة، أو هكذا أحب أن أتخيله. أغدو في مواجهته مع حقيقة أن المسألة لم تكن بيدي أو بيدك، وأنه لا أحد يمكنني تحميله اللوم سوى ذلك الموعد الذي لا أجده إلا في هواء هذه الأغنية؛ ما دعاني إلى مسامحتك في النهاية.. وش بيدنا؟ كل ما في الأمر أنه خذاك الموعد الثاني.
كرهت أجزاءً كثيرة من هذا العالم. حتى بات بمقدوري اختزال حياتي في قصة قصيرة عن القليل الذي أحببت. ورغم هذا الجفاء الذي ادّعيه، كان اكتشافي المباغت بأنني لم أكن وجهتك ابدًا، وان ""شوفك تعدّاني” هو ابشع ما كرهت.
تعيد المشهد مرة تلو الأخرى؛ لأعيد معها اكتشاف ذات الوقائع التي لم أُطِق معرفتها. فرغم مرور كل هذه السنين، وعندما تمرّ “إثر شوفك تعدّاني!” على أذني التي عبرت عليها الكثير من الهزائم، أجزع كأنها المرة الأولى: إثر شوفك تعدّاني!!