غلاف لفهد بن سعيد بصور أرشيفية منقّطة بالأبيض والأسود على خلفيتين خمريّة وبرتقاليّة
النصوص N/R ٠٠١

غناوي / العدد الأول

محاكاة لتجربة حب فاشلة

قائمة غناوي لفهد بن سعيد

٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦

أهلًا هلا وأهلين!

من أروع بدايات الإعجاب والشفقة من الإنسان لِمن حب، وهنا بيان الترحيب والحفاوة للمحب. تلقاها حتى عند الجيل الحالي يوم يقولون: «البدايات». هالمبالغة، إن رضينا أنها مبالغة، فالمدح هو أحد أسباب نظرة الطرف الآخر بالاستحقاق العالي، اللي يخلي العلاقة تأخذ منحنى من ارتفاع سقف التوقعات، اللي تشير في بعض الأحيان إلى سرعة فشلها.

نجمله لين يغدي قصيدة، ونذمه لا طلع آدمي.

ما للزعل يا ساكن القلب داعي

ما فيه محبة من دون زعل؛ والزعل شيء وارد، وكل محب يحاول يجبر بخاطر حبيبه، ولو بكلمة تهدّي السالفة إلى إشعار آخر. لكن إذا وصل الأمر إلى «اللوعة والالتياع»، يجي ابن سعيد بحلّه: التنازل.

يا زين ترى مثلك لمثلي يراعي

يعني لا تكبّرون المواضيع، وكل واحد يراعي الثاني. وفي البدايات، التنازل يجيك خفيف؛ لأنك للحين ما تدري كم مرة بتحتاج تعيده. لكن مب كل شيء يصلحه التنازل، ولا كل مراعاة تردّ الخاطر. وإذا ما فيه حل؟

الجفا لي تعلنه يومٍ ويوم

يتعب المحب في كل لفتة جفا من محبوبه مهما كان الأمر، والبعد والفتور من أسباب ضعف المحبة، لكن مب ضعف التعلّق. ليش؟ إن طال، يروح معها كل حماسه ويبدأ يقل إعجابه. ولكن إذا الموضوع فيه سهر، أو يكون الواحد من راحة البال محروم، لازم يكون فيه تدخل مهما بلغ الضرر، إلى أن يوجد حل للمشكلة أو تركها والإصلاح.

والبعد مب بالضرورة جفا، لكن العاشق يتخيله كذا مهما كان السبب. لذلك اصنع لنفسك وقت، ولا تعادي بالمثل، لكن أوجد لك حياة حتى ما تتعب نفسك وتدخل في دوامة الشك.

ولا تشغل العالم، أرجوك.

والله إني عارفٍ ويش النهاية

شيء لا مفرّ منه؛ النهاية حتمية، ولا بد كلٍ يعرف أن كل شيء له نهاية. لكن الإشكالية هي التقبّل؛ إذ يدخل الإنسان في صراع وشكوك بينه وبين نفسه عشان ما يستوعب هالشي. حتى في قول ابن سعيد:

ما حكوا لي عنك أقول إنه دعاية مير أكذّب هاجسي والظن فيك

في هالمرحلة يصير المحب محامي دفاع؛ كلام الناس عذل، وهاجسه كذّاب، والمتهم الوحيد اللي ما يستجوبه هو محبوبه. ويطول الطريق لين يغنّي فتى الوادي…

خلاص عزّمت أنا فرقاك

بالرضا بالأمر الواقع والإدراك، ينتهي المحب من الارتباط اللي عاشه في لحظة إدراك أن النسيان هو الحل، بدون إجبار من أحد. والمواساة للقلب واجب على ما صار مهما بلغ الثمن، حتى في قول ابن سعيد:

بلقى طبيبٍ يداويني

هنا يكون الآدمي أخذ وقت لاستيعاب حزنه ومكابرته، لكن يجب أن يدرك الأمر قبل فوات الأوان، وقبل يتعب فكره ويدخل في دوامة حزن ما حسب حسابها. ولا بد يعرف أن الدنيا كلها بتنتهي، ماهو بس علاقتك اللي بتبلش العالم فيها.

كلٍ يروح بخير

بيان واضح وحل سلمي للطرفين بدون أذية. ودايمًا نقول: «النهايات أخلاق»، وأحيان ما يُسقط أي علاقة إلا تدخل خارجي وأفكار ممكن تُزرع بالغلط لمجرد التكلم فيها، وهنا يكون الخطر الأكبر. عشان كذا: «كلٍ يروح بخير»، وألزم ما على الواحد في مراحل التقبّل أنه ما يوجع راسه في شيء راح وانتهى. اختر الحل السلمي إذا صارت المناقشات معدومة.

اعقلها وتوكّل، وكلٍ يروح بخير.

ليش هالثيمة؟

هالأغاني الست، إذا حطيناها جنب بعض، تمشي كأنها علاقة كاملة: مديح من أولها، ثم زعل وتنازل، وبعدها جفا وشك، لين يوصل المحب لقرار الفراق. شيء موجود يومي، دايم تسمعه ويطلع لك لو ما بغيت. ما نظن إن ابن سعيد قصدها تحكي قصة وحدة، لكننا سمعناها كذا، وصار السؤال اللي تجمعه لنا: هل نحب الإنسان، أو الشعور اللي يخلّيه فينا؟ وإذا انتهت العلاقة، وش ندور عليه: الشخص، أو النسخة اللي كناها معه؟

أما ابن سعيد، فحتى أغاني المديح عنده ما تبعد كثيرًا عن الحزن. يقول:

فلّتك دورين وأهلك سلاطين… وأنت يا المسكين ربي يعينك

مديح يرفع المحبوب دورين، ثم يذكّره إن الله يعينه. وهالمسافة بين الطرب والشكوى هي اللي شدّتنا لغناويه؛ مساحات ما بعد الحزن ومفاهيمنا البديهية عنه. اخترنا مجموعة منها ورتّبناها على هيئة محاكاة لتجربة حب فاشلة.

جميع الأغاني من أرشيف سعود الجويعد الخاص.