تركيب بصري لأرشيف أشرطة تسجيل وحاسوب قديم على خلفية سوداء
النصوص N/R ٠٠٢

عدسة / العدد الأول

«التاريخ شي مثل الأمانة»

في إبستمولوجيا الراوي الشفوي

١٤ أكتوبر ٢٠٢٦

إثر حادثة معقدة وقعت بين ثلاثة من قبائل شمال الجزيرة العربية في القرن الثالث عشر الهجري، قُتل الفارس هذلول الشويهري من شمّر في ظرفٍ لا يقل تعقيدًا عن تعقيد الحادثة الأم. ومثلما حدث الكثير أثناء هذه القصة، حدث الكثير فيما بعدها، بيد أنني أتجاوزها حتى أصل إلى الثمانينات الهجرية، حين سجّل سعد الصويان مع عدد من رواة شمّر حول وقائع هذه القصة، ولمّا سأل أحدهم عن «ذبحة هذلول»، أجابه الراوي:

«التاريخ شي مثل الامانة؛ يدخل الذمّة. والرجل اللي يبي يعد التاريخ ويخاف الله ما يميل لهذاك والا هذاك، يعد التاريخ حرّ، على مستحقه. والسوالف طويلة عريضة، لكن حنا، طوّل الله لي عمرك، نبي نجيب منه عاد موجز، حسب ما سمعنا من الشيبان الأولين. والا هي طويلة عريضة السوالف والمغازي كثيرة، والدنيا على ما قال القايل: يومٍ لك ويوم عليك، والعرب كلٍ به حقه من الطيب. والسوالف الأوله طرايف، كله على وضح النقا، ولا به شي يزحم احد، لله. وحنا لو كان حنا ما لحقنا على هكالدور الأول هذاك، لكن لحقنا لنا رجال واتصلنا بهم من عنزه ومن شمّر وهم لاحقين رجال وراهم. وتحفظ الرجال، تعاطا العلوم، يتناقلونه الرجال من واحد لواحد، والوالد يورثّه لولده».

أجد في هذه الافتتاحية استجابة غير معتادة لسؤال يُفترض أنه يستدعي فقط قصّة مقتل أحد الفرسان؛ إذ يقدم الراوي عرضًا لرؤيته الخاصة للعملية التأريخية برمتها. نجده يكشف عن إطار أخلاقي حازم، ويقدّم منهجيته أولًا بشكلٍ يخبرنا عن ما اعتبره منطقًا معرفيًا ينتج من خلاله معرفةً تاريخية واجتماعية مُحّصِت مسبقًا.

لا يشك أحد في وجود رواة يلتزمون بالأمانة والنزاهة، ويحرصون على رصانة البناء السردي وتعدد المصادر حتى لدى الأطراف المتضادة؛ وبناءً على ذلك قد يبدو هذا التمهيد مجرد انطباعٍ أخلاقي ومنهجي فردي. لكن ماذا لو دفعنا بهذه المفارقة إلى أقصى أبعادها، وافترضنا وجود منطق معرفي للرواة؟ نواميس محلّية محكومة بقواعد صارمة، تتحرّك بين الوعي الداخلي للراوي وبين الفضاء الاجتماعي، تجعل من الرواية الشفوية نظامًا معرفيًا يتجاوز وظيفة «التسلية واستعراض السوالف»، ويفرض علينا فهمه من الداخل أولًا قبل معالجته أو تقييمه؟

أحاول تقديم قراءة مختلفة عن الراوي في مجتمعاتنا المحلية، عبر رؤيته مؤرخًا شفويًا يمتلك تصوراته الخاصة حول التاريخ ومناهجه وقيوده الأخلاقية والاجتماعية، التي تشكّل مسؤوليته التاريخية وتحدّ من انسياقها خلف المؤثرات الأخرى. متجاوزًا بذلك الممارسات والمفاهيم المشككة في دوره المعرفي، وتقدمه عادةً في صورة «الحكواتي» أو مجرد صوتٍ من الماضي لا يعي الحدود بين التاريخ والخرافة والأسطورة.

ليس مجرّد حكّاء

لا يقدّم الرواة عادةً مقدمةً منهجية يخبرونا فيها عن الطريقة التي يعرفون بها الماضي. ومع ذلك، فإن غياب التصريح بالمنهج لا يعني بالضرورة غياب المنهج نفسه. ولهذا أجد في هذا المقطع مدخلًا نادرًا إلى بنية معرفية غالبًا ما تبقى مضمرة، وأتعامل معه بوصفه كاشفًا عن المبادئ التي تنتظم من خلالها المعرفة التاريخية وشروط إنتاجها، وتظهر انعكاساتها على المرويات الشفوية ذاتها.

استهل الراوي بتصريحه أن ما سيتفوّه به يعدّ تاريخًا قبل أن يكون نوعًا آخر من السرد الشفوي، ومن هذا المنطلق كانت المحاكمة الأولى هي محاكمة أخلاقية تربط التحيّز والكذب بذمّة الراوي، ومهمتها أن تحمي مسؤوليته التاريخية لكونه أهم مصدر لنقل الماضي في مجتمعه المحلّي. وتتصل هذه الأمانة بالبنية الجماعية التي تتحرك فيها الرواية؛ فالمجتمع الشفوي يتدخل بدوره لمساءلة الراوي إن كذب أو حرّف، وهو بهذا الإعلان يعرض مروياته لمساءلة جمعية تتجاوز قيمهُ الفردية. ويتبيّن لنا ذلك في النشاط التداولي للرواية، إذ تتحرك المرويات - كما تتحرك القصائد - على امتداد الجزيرة وبين مختلف الأطراف، فتتقاطع رواية الراوي مع روايات نظرائه، وتصطدم بسردياتهم التي ستعارضها إن أخلفت هذه الذمّة.

وبعد هذا الالتزام الفعلي الذي قدّ يهدد ثقة الناس به، ينتقل الراوي إلى حقيقة أن التاريخ طويلٌ جدًا ولا يمكن الإحاطة به كاملًا؛ فيجد نفسه مدفوعًا إلى ممارسة نوع من الانتقاء المنهجي الذي يحدد ما يُحفظ وما يُترك، ويقرر أي الأحداث أكثر جوهريةً من غيره. يدرك الراوي استحالة تذكّر كل شيء، وكيلا تُثقل الذاكرة بالشاردة والواردة، كان عليه أن يتنازل عن الأجزاء التي لا يراها جوهريةً في سبيل بقاء الأجزاء التي تحافظ على نقل الحدث الفعلي. أميل إلى النظر إلى ذلك بوصفه جزءًا من الجهد المعرفي للراوي، الذي يدار وفق منطقه المعرفي الأوسع ولا يحدث بطريقةٍ عشوائية، ويتطلب تقديره لما يستحق الحفظ وما يمكن تركه. ومن هنا يمكن فهم عملية الإيجاز وسيلةً للتعامل مع طبيعة الذاكرة الشفوية وهشاشتها، وتساهم في حماية الهدف الأسمى للمروية: توثيق جوهر الوقائع وترجمة معانيها للأجيال الأخرى.

هذا التاريخ الطويل ليس إلّا نتيجة للحقيقة الوجودية التي آمن بها الرواة ومجتمع البادية حينها: أن الدنيا «يومٍ لك ويوم عليك»، ولهذا الإيمان أثره المعرفي على أمانة الرواية ودقتها. فالصراع في المجتمعات البدوية لم يكن ينتهي بمنتصرٍ نهائي أو طرف مهيمن لمدة طويلة، إنما كان جزءًا من طبيعة الحياة اليومية وتداول الموارد بين الناس، في سياق لم يكن يحمل ذات الحساسية السياسية والنفسية التي اكتسبها الصراع في ظل الدولة الوطنية الحديثة. ومن ثم يكشف الاعتراف بتداول الغلبة عن تصوّر للحدث التاريخي يضعه ضمن البنية المعرفية التي يتلقى بها الراوي أحداث الماضي ويفهمها، ويعمل ضمن تصور مشترك لطبيعة الصراع، وداخل تداول للروايات يجعل ما يقوله عرضة للمقارنة والمساءلة من أقرانه.

ومن ثم يأتي إلى الآلية التي تلقّى مروياته من خلالها: السند المتصل بين الراوي ورواة سبقوه. ويمثّل السند وسيلة انتقال المرويات من جيل إلى آخر، كما أنه المصدر الذي يمنحها شرعيتها. يذكر أن هؤلاء الرواة لم يكونوا من مصدرٍ واحد إنما من مختلف المصادر التي عايشت الحدث، ملتزمًا بذات الأمانة التي نصّ عليها في المطلع. وبقدر ما يبرز هذا الجزء الجوهرية التي يحظى بها تعدد المصادر، فإنه يوضّح الناموس الذي يحكم المروية الشفوية؛ ذلك التناقل المستمر بين مجموعات واسعة من الرواة الممتدين عبر عدة أجيال. وبهذا النسق المترابط يتضح لنا شيءٌ من النظام المعرفي والتصوّر التاريخي لدى الرواة. 1

حدود المنهج: واقعة واحدة، ذاكرة متعددة

تحمّل الرواة عبء توثيق الأحداث التاريخية، وذلك لأنه «في البيئات التي تنعدم فيها الكتابة أو تكاد، تقع على كاهل المرويات الشفوية مسؤولية البناء التاريخي»، بحسب تعبير جان فانسينا. والنسق أعلاه، شكّل منطقًا معرفيًا يأتي لحماية هذه المسؤولية التي كثيرًا ما افترضنا غيابها. لكن وإن كانت للمروية الشفوية وظيفة تاريخية تُعنى بنقل الماضي، فإنها تمتلك بذات القدر وظائفًا سردية واجتماعية وسياسية ورمزية، ومن المفترض أن تصاغ الرواية ضمن مزيجٍ معقّد يحمل جميع هذه الوظائف معًا.

السؤال الأهم هنا هو: إلى أي مدىً قد تتوه المسؤولية التاريخية بين هذه الوظائف أو تتأثر بها؟ ألا يمكن للراوي أن يغض الطرف عن الأحداث المُضرّه بالصورة الرمزية لقبيلته وأفرادها؟ أو تلك المُخالفة للمبادئ الأخلاقية التي يؤمن بها؟ ماذا عن تحيّزاته السياسية أو الضغوط الاجتماعية؟ وماذا عن حاجة المروية إلى قوالب سردية تضع الحدث التاريخي في وعاء جذّاب يسهّل من حفظها ويبقيها حيّة في الذاكرة؟

من المنطقي أن نتساءل عن قيمة تلك التصوّرات التاريخية، وكيف من الممكن أن تقدم سجلًا موثوقًا لأحداث الماضي بالرغم من هذه التوترات. لكن قبل أن أجيب عليها، لنلتفت قليلًا إلى ما حدث بين الفارسين ابا الوقي الشمّري وعقاب العواجي.

يحكي الراوي عبدالرحمن بن سعود المرشدي العنزي، أن ابا الوقي الشمّري تعهّد بقتل عقاب العواجي، أحد أهم فرسان عنزة وشيوخها. وفي أول معركةٍ بين القبيلتين، توجّه ابا الوقي نحو عقاب عازمًا تنفيذ وعده. اصطدم الفارسان ببعضهما البعض حتى سقط كلٌ منهما عن خيله وأفلت سيفه، واضطرّا على أن يتقاتلا بالأيدي قبل أن تلاحظ جموع القبيلتين ذلك، ويهبّ كلٌ منهم لإنقاذ فارسه عاري الكفّين. تساقط الرجال من هنا وهناك، وما بين تراب الأرض وحوافر الخيل معركةٌ أخرى جعلت الغبار يغطي المشهد. وفي أثناء هذه اللحظة المربكة حاول عقاب استرداد ما سقط منه، ونجح في الإمساك بخيلٍ ما وسيفٍ ما. تقهقرت القبيلتان وانسحب الأطراف بعد صراعٍ طويل، ليكتشف عقاب بعدها أن خيله وسيفه الفعليين مع شمّر. استهمّ سعدون العواجي، والد عقاب، بعدما عرف ذلك، وبدت ملامح الانزعاج على وجهه حتى لاحظه من حوله. حاولوا مواساته عبر تذكيره بأن «السيف بداله سيف، والخيل بداله خيل.. لا يضيق صدرك يابو عقاب». لكن ما أزعج سعدون ليس ذلك، بل خشيته من شاعر شمّر، مبيريك التبيناوي، إذا قال غدًا:

«السيف من يمنى عقابٍ خذيناه
والخيل بدّل كدشها بالاصايل»

وبالفعل، لم تمضي عدة أيام حتى أتت قصيدة مبيريك، التي يقول فيها:

«ابا الوقي يالبيض خضّبن يمناه
انا اشهد انه من عيال الحمايل
السيف من يمنى عقابٍ خذيناه
والخيل بدّل كدشها بالاصايل
هذي سلومٍ بيننا يالقراباه
يازين بيع المنسمح يبن وايل»

تحمل هذه القصة جميع توترات المروية الشفوية، متشكلةً في طبقات متعددة توضّح تعقيد أدوارها التاريخية والسردية والهوياتية والسياسية. وهي مثل كثير من القصص التي تختلف سردياتها من طرفٍ إلى آخر، لكن تنقل جوهر الأحداث الرئيسية مع الاختلاف في معانيها.

هل تعهّد ابا الوقي بقتل عقاب؟ نعم. هل حدثت تلك المعركة؟ نعم. هل تقاتل ابا الوقي وعقاب؟ نعم. هل أُخِذت خيل عقاب وسيفه؟ نعم. هل قال مبيريك التبيناوي قصيدته التي وثّقت الحدث؟ نعم. اتفقت كلا السرديتين على الحدث الرئيس وصحة القصيدة التي تدلُّ عليه، بينما ركزت سردية شمّر على الضربة الرمزية الموجعة نتيجة سلبهم لأثمن ما يمتلكه فارس عنزة حينها، وكثّفت من اللحظة حتى أضحت في قلب القصّة. في حين أن مروية عنزة لم تنكر سردية شمّر فضلًا عن أن تنكر الأحداث الرئيسية، بيد أنها ابتلعتها بطريقة تخفف من وقعها على الذات القبلية، وتحافظ على صورة آل العواجي عمومًا من الخدش. فما يبدو أنه اعتراف من سعدون بالخسارة هو ايضًا فكرة رمزية مضادة تؤكد على ذكائه ونباهته، ومدى إدراكه لمكر خصمه المعتاد: شمّر، لكن كل مافي الأمر أن واقع المعركة لم يساعده هذه المرة. وفي نهاية المطاف: «السيف بداله سيف، والخيل بداله خيل».

يبرز هنا بوضوح المنطق المعرفي الذي صرّح به الراوي الأول، ابتداءً بالأمانة التاريخية، ومبدأ «يومٍ لك ويومٍ عليك»، وصولًا إلى الفضاء التداولي الذي لا يسمح بتغييب الوقائع، لكن يمنحها معانٍ مختلفة. وفي آن الوقت، نكتشف من خلالها حدود هذه المسؤولية التاريخية عندما تصطدم مع الأدوار الأخرى للمروية؛ فالأمانة التاريخية لا تعني نقل الأحداث دون الاختلاف في معانيها؛ إذ يظل ذلك جزءًا من الفاعلية المعرفية للرواة ونتيجةً لتصورهم الخاص عن التاريخ وتقلباته. وكذلك قد يؤدي ما أسميته بـ«الاجتزاء المنهجي» إلى إسقاط أحداث يراها الراوي أقل أهمية بينما قد تكون جوهرية من منظور آخر. ولعل أوضح مثال على ذلك أن معظم المرويات همّشت الإسهام التاريخي لجماعات العبيد والصنّاع وقبائل الصلب، فظلّوا «خارج التاريخ»، على هوامش القبائل البدوية الأصيلة والحواضر الكبرى. هذا والإيمان بتقلّب الغلبة لا يمنع الراوي من تخفيف الوقع النفسي لبعض الأحداث أو بناء سردية تحافظ على صورة القبيلة. هذه النواميس تضع حدودًا لتحريف الوقائع وتجعل المحافظة على أصلها مسؤولية مشتركة، وتكفل لكل راوٍ وجماعة حقها في ممارسة فاعليتها المعرفية.

ماذا فعلنا بمؤرّخينا الشفويين؟

أعتقد أن الرواة نقلوا لنا أحداث الماضي ومجرياته أكثر مما نتصوّر، وأن المرويات الشفوية لاقت تهميشًا أو اعتارفاتٍ متشككة في الكتابة التاريخية المحلّية. أقرّ بوجود حضور لا يستهان به للمادة الشفوية في المؤسسات الأرشيفية ومختلف المؤلفات، لكن الإشكالية في آليات التعامل معها وبأي عدسةٍ نظرنا إليها، ففي كلا الحالتين، أي الحضور والغياب، لم ننطلق من فهم الراوي والمروية أولًا؛ ومن هنا مهما بلغ هذا الحضور ستظل المعرفة التاريخية الشفوية مهمشةً ومشكّك بها.

ما أدعو له أن نأخذ المرويات الشفوية بجديّة أكبر، وأن الاعتراف الحالي بها لا يليق بمستوى المعرفة التي تستطيع أن تقدمها لنا، بل والتصوّرات التي تستطيع تغييرها. الجديّة هنا تعني دمجه بوصفه معرفةً موثوقة في السرديات التاريخية الوطنية، التي بُنيت غالبًا على المصادر المكتوبة، وتحضر بها المرويات في خلفية المشهد لتضفي مزيدًا من الموثوقية حول المكتوب أو تغطّي غيابه. كما تعني أن ننظّر للرواة ومنهجيتهم قبل أن نحكم عليها مسبقًا.

فمن ناحية، ركّزنا في التاريخ الشفوي المحلّي على روايات الأشخاص الذين شهدوا الحدث مباشرةً وعاصروه، وهؤلاء وظيفتهم التحدث عن معايشتهم للأحداث في إطار محكم يصنعه الباحث. هذا النمط السائد رغم تقاطعه مع المروية الشفوية المتوارثة (جوهر حديثنا) إلا أنه مُختلفٌ عنها، إذ يشترط المعايشة المباشرة بينما يرتكز عمل الرواة على معالجة المعرفة المنقولة غالبًا، وهنا نرى أن النمط السائد لا يولي اعتبارًا كبيرًا لمعرفة الرواة أو عملهم. وجزء من أسباب ذلك أننا نثق بشهادة المعاصِر للحدث، وهذا مفهوم، لكننا في آن الوقت نعلم أن الأخير يغطي فترة زمنية محدودة جدًا بعكس المروية الشفوية المنقولة. ومن ناحية، ستجد حكمًا عجيبًا يعتبر الشهادة الشفوية المباشرة أقل موثوقية من الوثيقة المكتوبة «بشكلٍ مطلق»، ولا يُلجأ لها سوى عند غيابها التام. وهنا الإشكالية الثانية، فإن كانت شهادة المُعايش للحدث مهددة إن تعارضت مع المصدر المكتوب، فكيف بشخصٍ يروي عن أجيالٍ مضت؟ غالبًا ستكون «سواليف» و«أساطير الأولين».

إن العدسة التي تبنيناها حين نظرنا لمؤرخينا الشفويين أدت إلى هذا التعامل، فمثل كثيرٍ من جامعات العالم، ساد لدينا الاتجاه الوضعي في علم التاريخ، المتأثر كثيرًا بجهود المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه. ففي طريقه نحو جعل التاريخ علمًا منهجيًا وجد أن المكتوب هو الوسيلة الوحيدة لكي نتمكن معرفة الماضي، إذ «لا تاريخ بدون وثائق» كما عبّر كثيرٌ من روّادها وعلى رأسهم رانكه. ورغم ظهور اتجاهاتٍ بديلة، إلا أننا ما نزال نجده عند كثيرٍ من المؤرخين الذين لا يثقون بالشفوي في مقابل المكتوب. وبهذا المعنى، المروية الشفوية المنقولة «ليست تاريخًا» أو «تاريخًا أدنى» ولو لم نصرّح بذلك.

أقرّ أن الصورة ليست بهذا التوجّه الأعمى نحو المعرفة الغربية. فالفضاء الاجتماعي في بدايات التدوين التاريخي حول المملكة كوّن بيئةً محلية ساعدت على تبنّي هذا الخطاب. مع نشوء الدولة الوطنية الحديثة، وتطوّر المؤسسات، والتحوّلات الاجتماعية المتعاقبة، بدا أن الطبيعي هو الانتقال من الشفوية إلى الكتابة، وأن أي محاولة للعودة إلى الشفوية تعد نكوصًا في نظر المؤسسات الرسمية. ونمى في الكتابة التاريخية السعودية اتجاهٌ كبير عُني بالتأريخ للدولة الوطنية، وسيرة الملك المؤسس - رحمه الله -، وجهود التوحيد، والعصور الثلاثة للدولة السعودية. كانت المواد المكتوبة وفيرةً في هذه الحقول وربما لم يظهر سبب مقنع للاعتماد على المادة الشفوية، هذا وكان جزءٌ واسع من المرويات الشفوية يحكي عن بيئة اجتماعية وسياسية تتعارض مع توجهات الدولة الوطنية.

لكن حتى مع وجود أسباب اجتماعية وسياسية محلّية، أتى الخطاب الرانكي بوصفه مبررًا معرفيًا كسولًا استمد قوته من كونه سائدًا، أو غربيًا، أو يدّعي أنه يمتلك الحقيقة التاريخية، لكن ليس من ضمنها ابدًا قدرته على استيعاب تاريخ المملكة وسردياتها المتنوعة. خصوصًا وأننا سقنا ذات الاعتراضات الوضعية حول المروية: متغيّره، تخضع لتحيّز الراوي وانطباعاته، يهددها النسيان. والواقع أن هذه الاعتراضات هي نقطة أخيرة نصل لها بعد أن نطرح أسئلتنا الخاصة، فلا نحكم بها مسبقًا قبل أن نفهم المنطق المعرفي لرواتنا أولًا. وفي نهاية المطاف، مثّل ذلك تجاهلًا للحاجة المعرفية الماسّة وخصوصيات السياق المحلّي فقط لأن المقاربة الغربية لا تستوعبها.

يبقى هذا النقد قائمًا وإن انتشرت المرويات في كافة مؤلفاتنا، ما دمنا لم ننطلق من تنظيرٍ محلّي يبني نفسه على واقع الرواة وأساليبهم المعرفية. فحتى تلك التي اعتمدت الشفوي لغياب المكتوب، وهي تظن بمكانته الثانوية والتكميلية، لن تنصف هذا التاريخ وهي تقول بشكلٍ ضمني: «لم نجد تاريخًا، ولهذا سنستعيض بما يشبه التاريخ». والظلم الأكبر للرواة وفاعليتهم المعرفية، وفاعليتنا نحن «المتعلّمون» و«الكتّاب»، ليس أننا وضعنا المروية الشفوية ثانيًا، بل لأن التقليد الأكاديمي الغربي قال لنا بأن نفعل ذلك. 2

مؤرّخ شفوي، وليس مجرّد حكّاء

أعتبر الراوي مؤرخًا شفويًا لديه تصوّره الخاص للحدث التاريخي، وربما يمتلك تصورًا للحركة التاريخية عمومًا، يقدّمه في أسلوبٍ سردي مقنع، وقد يتأثر بسياقه السياسي والاجتماعي والنفسي. ومع ذلك، يظل حريصًا على نقل الحدث والموضوعية في نهاية المطاف، مستندًا إلى منهجية محددة، وشعور بالمسؤولية التاريخية، ووسائلًا لنقل المعرفة وتراكمها، ووعي بمواطن الخلل والعيوب، وفضاء تداولي يحد من القدرة على تغييب الحقائق.

وكانت غايتي الأهم طيلة هذا النص تتمثّل في أن التاريخ الشفوي يتشابه مع التاريخ المكتوب أكثر مما نتصوّر، متجاوزًا الكثير من الحدود المصطنعة بينهما. فالمؤرّخ الكاتب تأثر بمحيطه كما تأثر المؤرخ الشفوي، وتحيّز لمقاربات قد لا يسائلها كثيرًا. وكما اُنتقِد التاريخ المكتوب لأنه وضع أُناسًا «خارج التاريخ»، فعلت المروية ذلك أيضًا. ويتبدى لنا هذه التشابه أكثر حينما نرى أن معظم الاتجاهات المعاصرة في علم التاريخ، ترى أن عمل المؤرّخ ما هو إلا «تصوّره الخاص نحو الحدث التاريخي، وربما يمتلك تصورًا للحركة التاريخية عمومًا، مقدّمًا ذلك في أسلوبٍ سردي…».

والى من نساك الناس؟ وش همّك النسيان
تموت الرجال الصِيد واذكارها حيّه

ابراهيم الودعاني

الهوامش

  1. دفعت بهذه القراءة التي تتناول نصًا يتيمًا نحو بقية الرواة لما فيه من إشارات تدل على طبيعة إنتاج المعرفة الشفوية عمومًا. فيبدو أن «التاريخ شي مثل الأمانة» يعد مبدأً يتعاهد عليه الجميع، ويشير لما يجب على كل من أراد سرد الوقائع التاريخية فعله: «والرجل اللي يبي يعد التاريخ ويخاف الله ما يميل لهذاك والا هذاك»، فضلًا عن أننا نجد ذات الثيمات التي أوردها الراوي في فضائه الاجتماعي، وإشارته في النهاية أن معرفته هذه ما هي إلا نتاج لجهود من سبقوه: «وحنا لو كان حنا ما لحقنا على هكالدور الأول هذاك، لكن لحقنا لنا رجال». ↩

  2. هامش غير هامشي: في أثناء تحرير هذا النص، قدّم د. فارس المشرافي ملخصًا بعنوان «بين الذاكرة والوثيقة: موقع التاريخ الشفوي في الكتابة التاريخية السعودية»، ضمن الندوة الأولى للكتابة التاريخية السعودية، التي أقيمت في يومي ٧ و٨ أكتوبر ٢٠٢٦. ويشير الملخص الوارد في دليل الندوة إلى حضور الرواية الشفوية في الكتابة التاريخية السعودية، مع غلبة استخدامها لإضافة المعلومات أو استكمالها أو تصحيحها، مقابل محدودية توظيفها تحليليًا ونقديًا. وتتقاطع هذه النتائج مع بعض ملاحظاتي هنا. ويتيح العدد الخاص بالتاريخ الشفوي من مجلة «الدارة» لعام ٢٠٠١، الوقوف على تصورات عدد من المؤرخين السعوديين، من بينهم د. عبدالله العثيمين، ود. عبداللطيف الحميد، ود. عبدالله المطوع، بشأن المادة الشفوية ومكانتها في الكتابة التاريخية. ومع ذلك، يغلب على الدراسات التي تناولها العدد الاهتمام بالشهادات الشفوية للمعاصرين. ويبدو أن هذه المعالجة لم تتجاوز في مجملها إقرارًا بمكانة المادة الشفوية الثانوية. ومن جهة أخرى، يساعد كتاب يورك ماتياس ديترمان عن كتابة التاريخ في المملكة العربية السعودية (٢٠١٥) على فهم بعض السياقات التي تشكلت فيها الكتابة التاريخية المحلّية، وإن لم يتناول الرواية الشفوية مباشرة. ويمكن كذلك العودة إلى أطروحة روزي بشير في كتابها Archive Wars لفهم سياقات إنتاج المعرفة التاريخية في المملكة، لكنني لم أتمكن من الاطلاع عليه كاملًا، واقترح ذلك اعتمادًا على ملخصاته ومراجعاته.

    وإن الملاحظات الأساسية تستمد مشروعيتها من ملاحظتي المباشرة لممارسات أرشفة التاريخ الشفوي. فعلى الرغم من تسجيل مقابلات مع رواة يمتلكون معرفة تاريخية منقولة، تميل الأسئلة إلى استكشاف ما عايشه الراوي وشهده بنفسه أكثر من استكشاف ما يعرفه عن أحداث سابقة عليه وينقلها عن غيره. والمفارقة أنني أتحدث عن غياب أكثر مما أتحدث عن حضور، وأدعو إلى نموذج يكاد يكون نادرًا في الكتابة التاريخية السعودية، ينظر إلى الراوي بوصفه حاملًا لمعرفة تاريخية بشروطها الخاصة، ومؤرخًا يمكن أن يكون ندًّا للمؤرخ الرسمي. ويقتضي ذلك توظيف رواياته في بناء السرديات التاريخية ومناقشتها نقديًا، من دون افتراض دونيتها ابتداءً أمام المعرفة المكتوبة.

    وأعزو جانبًا من هذا الغياب إلى ضعف التنظير لدور الراوي في إنتاج المعرفة التاريخية. فالممارسات تقر بأهمية الرواية الشفوية لكنها تحصرها في وظيفة إثباتية أو تكميلية، وتبدو أقرب إلى استنساخ تصورات غربية عن المعرفة الشفوية المتوارثة منها إلى بناء تصور منهجي نابع من خبرتنا الخاصة. والمثال الذي أعتدّ به هو ما نجده في أعمال سعد الصويان من معالجة للرواية الشفوية بوصفها مادة تاريخية تستحق النقد والتمحيص، وإن كان اهتمامه يتركز بدرجة كبيرة على قيمتها الإثنوغرافية. وقد مكّنه هذا التعامل من مراجعة سرديات مكتوبة ونقضها من خلال المرويات الشفوية، بما فيها سرديات تنتمي إلى التراث الإسلامي والكتابات الاستشراقية.

    وفي كتاب الصويان (١٩٩١) The Arabian Oral Historical Narrative نموذج مهم لما يتطلبه التعامل الجاد مع الرواية الشفوية، من ناحية تصميم منهجية لاختيار الرواة وتقييمهم وترتيبهم بحسب أهميتهم، والاستعانة بأحد عشر راويًا في جمع مروياتٍ عن حدثٍ واحد. وتكشف هذه المنهجية عن أن موثوقية الرواية لا يمكن الحكم عليها بمعزل عن طبيعة إنتاجها ونقلها، إنما تقتضي أدوات نقد تتلاءم مع خصوصيتها. وقد يؤدي إهمال هذه الخصوصية أو الاكتفاء بجمع الروايات دون إخضاعها لنقد داخلي جاد إلى إنتاج مادة تبدو ضعيفة الموثوقية، ثم يُتخذ هذا الضعف المفترض ذريعة لتأكيد دونيتها أمام المكتوب. واتساءل فعلًا: هل يمكن لمن ينطلق من حكم مسبق بأن الرواية الشفوية أقل موثوقية من الوثيقة المكتوبة أن يستثمر كل هذا الجهد اللّازم لفحصها ونقدها، أم أن هذا الحكم يحسم النتيجة قبل بدء البحث؟ ومن هنا تأتي دعوتي إلى العمل على بناء نظرية محلّية في «إبستمولوجيا الراوي الشفوي». ↩